محمد أبو زهرة
1929
زهرة التفاسير
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 148 إلى 149 ] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 ) في الآيات السابقة كشف الله سبحانه وتعالى عن أوصاف المنافقين ، وبين ظواهر أحوالهم ، ومجموع أمورهم ، وما يرتكبون من سيئات واضحة معلمة ، وما يخفون في صدورهم من أحقاد مكنونة ، وبين مآل أمرهم إن استمروا في غيهم يعمهون ، وبين سبحانه وتعالى أن باب التوبة مفتوح ، وأن الله تعالى لا يغلق باب الرحمة بالتوبة على أحد من عباده ، ولو كانوا منافقين ، فإن الله تعالى يحب التوابين ، والتوبة عنده سبحانه تجب ما قبلها من سيئات مهما تكن . وفي هذا النص الكريم بين أن الجهر بالسوء من القول لا يكون إلا في أحوال تقتضى ذلك ، وقد وجد مقتضاه في أهل النفاق ، فليحترز المؤمن من الاسترسال في الجهر بالسوء إلا عند أشد الحاجة إليه ، ولذا قال سبحانه : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ السوء هو ما يسوء الناس من أقوال وأفعال ، سواء كانت الإساءة عامة أو خاصة ، وسواء أكانت الإساءة إلى الإنسان أم إلى الفضيلة ، فكل ما يمس المجتمع ، ويترتب عليه شر وأذى ، فهو من السوء ، والمحبة شأن من شؤون الله تعالى ، لا تتشابه مع محبتنا ، ولا مع ما يجرى بيننا من حب وبغض ؛ لأن ذات الله تعالى منفردة بصفاته ، لا تشابه ذات المخلوقين في شئ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) [ الشورى ] . والمحبة أكثر من الرضا ، والرضا أكثر من الإرادة ، فهذه كلها صفات للذات العلية مرتبة في القوة ، فالإرادة تتعلق بالخلق والتكوين ، فما أراده الله تعالى يقع ، وما لا يريده لا يمكن أن يقع ، فلا يمكن أن يقع من أفعال الإنسان ما لا يريده رب العالمين ، ولا يمكن أن يفعل الإنسان شيئا لا يريده العليم الخبير الذي لا تخفى عليه الأنفس ، وما تكن الصدور .